التميمي
06-05-2009, 10:54 AM
خال الشيخ / محمد بن صالح بن عثيمين رحمه الله
وخال الدكتور/ عبدالله بن صالح العثيمين عضو مجلس الشورى، أمين جائزة الملك فيصل
كتبه /عبدالله الصالح العثيمين
حين خلوت إلى نفسي وجدتني أعود بالذاكرة التي لم تبقَ منها إلا بقايا، إلى حياتي الماضية مع الفقيد.
كان جد آل دامغ في عنيزة -واسمه عبدالعزيز- فقيهاً من أهل روضة سدير. وقد طلب منه الإمام فيصل بن تركي أن يتولى قضاء تلك البلدة. لكن ورعه دفعه إلى مغادرتها على قدميه إلى عنيزة حيث كان يوجد العالم الجليل الشيخ عبدالله البابطين، آملاً أن يشفع له لدى الإمام كي يعفيه من تولي القضاء. وشفع ذلك العالم الجليل لتلميذه السابق ابن بلدته الروضة. وقبل الإمام فيصل الشفاعة، فنصح الشيخ تلميذه أن يبقى في عنيزة ليدرس فيها. ففعل ذلك سعيداً، وبخاصة أن بقاءه في تلك البلدة سيتيح له فرصة العيش إلى جوار شيخه الجليل. وقد عمر الفقيه عبدالعزيز، فتوفي عن مائة وخمسة وعشرين عاماً. وأصبح أكثر أبنائه وأحفاده أئمة مساجد ومدرسين، بل إن ابنته -واسمها مضاوي- كانت لها مدرسة تُدرِّس فيها البنات القرآن الكريم.
وكان أكبر أبناء الفقيه عبدالعزيز بن دامغ، سليمان، أباً لعبدالرحمن والد خالي الفقيد سليمان. وكان عبدالرحمن إماماً لمسجد الجزيرة ومدرساً في المدرسة الملحقة بذلك المسجد. وقد جرت العادة في بلدان نجد أن يوقف الخيرون عدداً من النخيل لتكون ثمارها فطوراً للصائمين الذين يفطرون في المساجد في رمضان. وكان عبدالرحمن، رحمه الله، حريصاً كل الحرص على أن يكون ما أوقف على الصائمين للفطور في مسجده أحسن ما يكون، نوعاً وكماً. وكان مضرب المثل في عنيزة من حيث الورع، وهو ورع لم يكن مستغرباً ممن كان جده، عبدالعزيز، قد تورع عن تولي القضاء. ومما يردده الكثيرون من أهل عنيزة عن ورع عبدالرحمن أنه جمع نوى التمر، الذي كان يفطر به الصائمون في المسجد، ثم باعه، وذهب بثمنه إلى قاضي البلدة، الشيخ صالح بن عثمان القاضي، رحم الله الجميع.
في بيت ذلك الورع المثالي ولد كاتب هذه السطور - كما جرت العادة أن تكون ولادة المرء في بيت أخواله -، وكان ذلك البيت - رغم صغر مساحته مقارنة ببيوت الزمن الحاضر- مقسماً إلى عدة أقسام، بيت الجد عبدالرحمن، وبيت عمته المدرسة مضاوي، وبيت عمه إبراهيم، الذي كان محامياً عن السعوديين بالذات في العراق، كما كان ضمن الوفد الذي أرسله الملك عبدالعزيز، رحمه الله، إلى السلطان العثماني في تركيا، وكان أول من أجرى مقابلة صحفية مع ذلك الملك العظيم.
ما زلت أذكر الجد عبدالرحمن، رحمه الله، وهو يقوم بتجليد (حبك) مصحف أو كتاب، أو وهو يتناول طعامه، فيحمد الله بعد كل تمرة يأكلها. وما زلت أذكر نور الإيمان والطاعة يشع من محيّاه، فيبعث في نفسي سعادة لا تضاهيها سعادة. وكم كان شوقي عارماً إلى اليوم الذي نذهب (نصبح) فيه مع الوالدة، رحمها الله، إلى بيت ذلك الجد، المشتمل على جدتي من قبل الأم، وخالي سليمان الفقيد، وابن خالي الشاعر إبراهيم وأمه، التي كانت والدتي من الرضاعة، رحمها الله.
وانتقل الجد الورع، عبدالرحمن، إلى رحمة الله، فحلّ الخال الفقيد، سليمان، محلّه في إمامة مسجد الجزيرة، وفي رعاية الأسرة. وللمرء أن يتصور مدى المعاناة: رجل كفيف البصر يذهب على قدميه خمس مرات في اليوم والليلة من بيته عبر أسواق أكثرها متعرّجة إلى المسجد الذي يؤم المصلّين فيه، أما دخله فكان محدوداً جداً، وكم كان يعاني من ذلك.
ومرّت الأيام تلو الأيام، والليالي عقب الليالي، وإذا بي أسعد -وأنا المتخرج من المدرسة الابتدائية- بأن أكون زميلاً لخالي سليمان، الذي كان أحد طلبة العلامة الشيخ عبدالرحمن بن سعدي، في السنة الأولى من المعهد العلمي في الرياض. وفي السنة الثانية انتقلت معه إلى المعهد، الذي افتتح في عنيزة، وما كان أحلى الرجوع إليها!
وما زلت أذكر مذاكرتي الدروس معه، أقرأ عليه المقررات، فيشرح لي ما كان خفي المعنى منها. وكانت زوجته، أم عبدالرحمن، رحمها الله، تستمع إلى كثير مما كنت أقرأ وما كان يشرحه، وإذا بها تصبح حافظة لأبيات من عدة قصائد.
وانتهت مرحلة الدراسة في المعهد بالنسبة للخال الفقيد، رحمه الله، فالتحق بكلية الشريعة في الرياض. وفي أثناء دراسته فيها اتصل به سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، رحمه الله، طالباً منه أن يأتي إليه.
وكان قد رأى تعيينه مدرِّساً في القسم النسائي من معهد الأنجال. وكان أبناء الخال سليمان صغاراً حينذاك، فسعدت بالذهاب معه إلى الشيخ محمد. واجتمع الشيخ معه في المختصر أكثر من نصف ساعة يوجهه التوجه، الذي كان يستحسنه. وكنت في ذلك الوقت، قد بدأت أكتب في الصحافة. ولفترة الشباب ما لها. وكنت في عنيزة معتاداً على الاستماع إلى خطبة الشيخ عبدالرحمن بن سعدي، رحمه الله، الذي كان يتناول في خطبه موضوعات اجتماعية متنوعة بأسلوب جيد السبك. ورأيت الخطبة في الرياض مختلفة، تناولاً وأسلوباً. فما كان مني إلا أن كتبت مقالة نقدية حولها. ولما انتهت مقابلة الشيخ محمد للخال سليمان، وسلمت على الشيخ لأودعه، سألني من أنا، فأخبرته باسمي. قال، رحمه الله: أنت الذي تكتب في الصحف؟ قلت له: نعم. قال: ماذا تعمل؟ قلت له: أحاول الالتحاق بجامعة الملك سعود. قال: الله يوفقنا وإياك يا ولدي للخير. وكان ذلك الجواب الرصين من ذلك العالم الجليل، المصوغ بقالب دعاء، ذا أثر إيجابي بليغ في نفسي، فرحمه الله رحمة واسعة. وكم كان الوطن محظياً بذلك العالم الجليل وأمثاله.
وخال الدكتور/ عبدالله بن صالح العثيمين عضو مجلس الشورى، أمين جائزة الملك فيصل
كتبه /عبدالله الصالح العثيمين
حين خلوت إلى نفسي وجدتني أعود بالذاكرة التي لم تبقَ منها إلا بقايا، إلى حياتي الماضية مع الفقيد.
كان جد آل دامغ في عنيزة -واسمه عبدالعزيز- فقيهاً من أهل روضة سدير. وقد طلب منه الإمام فيصل بن تركي أن يتولى قضاء تلك البلدة. لكن ورعه دفعه إلى مغادرتها على قدميه إلى عنيزة حيث كان يوجد العالم الجليل الشيخ عبدالله البابطين، آملاً أن يشفع له لدى الإمام كي يعفيه من تولي القضاء. وشفع ذلك العالم الجليل لتلميذه السابق ابن بلدته الروضة. وقبل الإمام فيصل الشفاعة، فنصح الشيخ تلميذه أن يبقى في عنيزة ليدرس فيها. ففعل ذلك سعيداً، وبخاصة أن بقاءه في تلك البلدة سيتيح له فرصة العيش إلى جوار شيخه الجليل. وقد عمر الفقيه عبدالعزيز، فتوفي عن مائة وخمسة وعشرين عاماً. وأصبح أكثر أبنائه وأحفاده أئمة مساجد ومدرسين، بل إن ابنته -واسمها مضاوي- كانت لها مدرسة تُدرِّس فيها البنات القرآن الكريم.
وكان أكبر أبناء الفقيه عبدالعزيز بن دامغ، سليمان، أباً لعبدالرحمن والد خالي الفقيد سليمان. وكان عبدالرحمن إماماً لمسجد الجزيرة ومدرساً في المدرسة الملحقة بذلك المسجد. وقد جرت العادة في بلدان نجد أن يوقف الخيرون عدداً من النخيل لتكون ثمارها فطوراً للصائمين الذين يفطرون في المساجد في رمضان. وكان عبدالرحمن، رحمه الله، حريصاً كل الحرص على أن يكون ما أوقف على الصائمين للفطور في مسجده أحسن ما يكون، نوعاً وكماً. وكان مضرب المثل في عنيزة من حيث الورع، وهو ورع لم يكن مستغرباً ممن كان جده، عبدالعزيز، قد تورع عن تولي القضاء. ومما يردده الكثيرون من أهل عنيزة عن ورع عبدالرحمن أنه جمع نوى التمر، الذي كان يفطر به الصائمون في المسجد، ثم باعه، وذهب بثمنه إلى قاضي البلدة، الشيخ صالح بن عثمان القاضي، رحم الله الجميع.
في بيت ذلك الورع المثالي ولد كاتب هذه السطور - كما جرت العادة أن تكون ولادة المرء في بيت أخواله -، وكان ذلك البيت - رغم صغر مساحته مقارنة ببيوت الزمن الحاضر- مقسماً إلى عدة أقسام، بيت الجد عبدالرحمن، وبيت عمته المدرسة مضاوي، وبيت عمه إبراهيم، الذي كان محامياً عن السعوديين بالذات في العراق، كما كان ضمن الوفد الذي أرسله الملك عبدالعزيز، رحمه الله، إلى السلطان العثماني في تركيا، وكان أول من أجرى مقابلة صحفية مع ذلك الملك العظيم.
ما زلت أذكر الجد عبدالرحمن، رحمه الله، وهو يقوم بتجليد (حبك) مصحف أو كتاب، أو وهو يتناول طعامه، فيحمد الله بعد كل تمرة يأكلها. وما زلت أذكر نور الإيمان والطاعة يشع من محيّاه، فيبعث في نفسي سعادة لا تضاهيها سعادة. وكم كان شوقي عارماً إلى اليوم الذي نذهب (نصبح) فيه مع الوالدة، رحمها الله، إلى بيت ذلك الجد، المشتمل على جدتي من قبل الأم، وخالي سليمان الفقيد، وابن خالي الشاعر إبراهيم وأمه، التي كانت والدتي من الرضاعة، رحمها الله.
وانتقل الجد الورع، عبدالرحمن، إلى رحمة الله، فحلّ الخال الفقيد، سليمان، محلّه في إمامة مسجد الجزيرة، وفي رعاية الأسرة. وللمرء أن يتصور مدى المعاناة: رجل كفيف البصر يذهب على قدميه خمس مرات في اليوم والليلة من بيته عبر أسواق أكثرها متعرّجة إلى المسجد الذي يؤم المصلّين فيه، أما دخله فكان محدوداً جداً، وكم كان يعاني من ذلك.
ومرّت الأيام تلو الأيام، والليالي عقب الليالي، وإذا بي أسعد -وأنا المتخرج من المدرسة الابتدائية- بأن أكون زميلاً لخالي سليمان، الذي كان أحد طلبة العلامة الشيخ عبدالرحمن بن سعدي، في السنة الأولى من المعهد العلمي في الرياض. وفي السنة الثانية انتقلت معه إلى المعهد، الذي افتتح في عنيزة، وما كان أحلى الرجوع إليها!
وما زلت أذكر مذاكرتي الدروس معه، أقرأ عليه المقررات، فيشرح لي ما كان خفي المعنى منها. وكانت زوجته، أم عبدالرحمن، رحمها الله، تستمع إلى كثير مما كنت أقرأ وما كان يشرحه، وإذا بها تصبح حافظة لأبيات من عدة قصائد.
وانتهت مرحلة الدراسة في المعهد بالنسبة للخال الفقيد، رحمه الله، فالتحق بكلية الشريعة في الرياض. وفي أثناء دراسته فيها اتصل به سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، رحمه الله، طالباً منه أن يأتي إليه.
وكان قد رأى تعيينه مدرِّساً في القسم النسائي من معهد الأنجال. وكان أبناء الخال سليمان صغاراً حينذاك، فسعدت بالذهاب معه إلى الشيخ محمد. واجتمع الشيخ معه في المختصر أكثر من نصف ساعة يوجهه التوجه، الذي كان يستحسنه. وكنت في ذلك الوقت، قد بدأت أكتب في الصحافة. ولفترة الشباب ما لها. وكنت في عنيزة معتاداً على الاستماع إلى خطبة الشيخ عبدالرحمن بن سعدي، رحمه الله، الذي كان يتناول في خطبه موضوعات اجتماعية متنوعة بأسلوب جيد السبك. ورأيت الخطبة في الرياض مختلفة، تناولاً وأسلوباً. فما كان مني إلا أن كتبت مقالة نقدية حولها. ولما انتهت مقابلة الشيخ محمد للخال سليمان، وسلمت على الشيخ لأودعه، سألني من أنا، فأخبرته باسمي. قال، رحمه الله: أنت الذي تكتب في الصحف؟ قلت له: نعم. قال: ماذا تعمل؟ قلت له: أحاول الالتحاق بجامعة الملك سعود. قال: الله يوفقنا وإياك يا ولدي للخير. وكان ذلك الجواب الرصين من ذلك العالم الجليل، المصوغ بقالب دعاء، ذا أثر إيجابي بليغ في نفسي، فرحمه الله رحمة واسعة. وكم كان الوطن محظياً بذلك العالم الجليل وأمثاله.